الثلاثاء، 19 مايو 2015

العمارة.. النص المرئي .. رؤى في الشكل والمعنى والوظيفة




 

 العمارة.. النص المرئي .. رؤى في الشكل والمعنى والوظيفة / (1-2) / جاسم عاصي

 نشر بتاريخ الأربعاء, 12 آذار/مارس 2014 22:41 


 

 

المفهوم والدلالة


لما كانت العمارة مكوّنا عاما، فهي خاضعة للمكوّن الاجتماعي، مثلما يخضع السكن للمكوّن الأسري. من هذا يكون ملبيا ً للحاجة النفسية والذوقية. فهي مجال يضم ويحتوي الحيوية الإنسانية، بسبب احتوائه للتاريخ العام، وما يشكّله كمكان من بنيات متعددة. فالعمارة بهذا سكن ومجال راحة وسياحة وأثر يلعب فيه الفن دورا ً أساسيا ً، لأنه أيضا ً يخضع للمتخيّل والمتصوّر الخاضع للحاجة والتكيّف. وبالتالي له وظيفة كمكان. وهذه الوظيفة تتغيّر وتتبدل بما تنطوي عليه من أهداف عامة وخاصة. لعل الذوق واحد من الأسس الذي يتم من خلاله تشييد وتجسيد الاعتبارات الأخرى المتعلقة بالوظائف. فالعمارة ومن هذا المنطلق وبسبب خضوعها إلى أسس ابستمولوجية في التخطيط والإعداد شأنها شأن أجناس الإبداع الأخرى لا تنأى عن وظيفتها الأنثروبولوجية. والخيال وحدة أساسي في تشكيل هيأتها. وهذا التشكيل كان مرافقا ً للمبنى كمكان للإيواء، لأنه يخضع للحاجة والتكيّف ابتداء من الكهف والعش وصولا ً إلى المبنى، الذي هو الآخر حدث عليه تحوّل وتبدل جرّاء تأثير المتغيّر الذي ولـّد الوظائف. ولما كان الجنس المخلّـّق يخضع لاعتبارات الخيال، فالمكان كذلك ينسجم كالشعر مع الخيال، لأنه مرتبط بالتحوّلات الجارية والحس الإبداعي. ولعل واحد من الأسس التي تعتمدها العمارة هو الفضاء الخارجي والداخلي، بما يتناغم مع "المغلق والمفتوح" وهذا يتطلب بطبيعة الحال الاجتهاد في الابتكار. وهذا أيضا ً يخضع لعنصري الإزاحة والإضافة في التشييد. إن العمارة من هذا التصوّر لها علاقة بالمكان، لأنها الحيّز الذي يشحذ المخيلة. فوجود الإنسان في هذا المكان، أو الدوران من حوله ومراقبته، لابد أن يشكّل صدمة معرفية جمالية، تـُثير الأسئلة حول ما هو مرئي بصريا ً. هذه الأسئلة تتمحور في الفحص والكشف، لأنها مرتبطة بسردية بصرية تشكلها أسس بناء خضع للخيال. فالفضاءات التي تشكلها العمارة، والسرود التي عليها تدفع بالرائي إلى إيقاظ ملكته، وبعكس ذلك تكون المرئية قد انطفأ فيها المحرك الأساس وهو الذوق العام والخاص. فالحاجة تخضع للخيال، والخيال يرتبط إنتاجا ً بالابتكار، وهما يرتبطان بالمشيّد المشاهَد. هذه الجدلية القائمة على الشكل المرئي، هي التي من شأنها تحريك الذائقة، سواء عند المهندس المعماري، أو عند الإنسان الرائي، والذي هو من أشد العناصر ارتباطا ً بهذا المكان، لأنه يلبي حاجاته. إننا بصدد معادلة لا تقبل الشك، أسسها الإنسان وحاجاته. فالابتكارات الخاضعة للخيال الفردي،هي حصيلة معرفية للخيال الجمعي، ذلك لأنها تـُحيل إلى فهم معرفي خالص، وتصوّر خالص، يخضعان لمكوّن ذاتي وجمعي. فلم يعد المأوى ــ العمارة، السكن ــ إلا استجابة للتطور الحاصل في الزمان، والمستجيب للمتغيّر السيكولوجي، والذي ينحصر في الذوقي. فالعمارة هنا شكل من أشكال الجمال، تراعى في تشييدها اعتبارات المتغيّرات على كل الأصعدة. فهي بهذا ذات كينونة وذات. فالعلاقة بين رياضيات بناء العالم، وبين لغزه وغموضه علاقة عكسية، لأن الرياضيات تقرّب الشكل من البديهية والمعادلة العقلانية وتمسك بالمطلق والصائب وما يضمن احتماله. لهذا فنحن نبني علما ً شيئيا ً مؤنسنا ً عندما نبنيه بناء رياضيا ً كما ندجّن العالم الطبيعي عندما نهذب عضويته نحو بناء رياضي وندجنه بقدر ما نعيه، ليبقى الغموض ساكنا ً أشكال الطبيعة العضوية يرقبها الوعي والحس الإنساني مكتشفا ً ملامح الجمال والمتعة المتأتية من صعوبتها وتمنّعها.
من هذا نرى أننا بصدد مكان يُثير الذائقة والخيال. ولنا في معظم المرافق المشيّدة على وفق تصوّرات المعماريين درسا ً في هذا كما هو واضح بما شيّده كل من المعماريين "رفعة الجادرجي، فتاح الترك، جعفر علاوي، محمد مكية، خالد السلطاني" وغيرهم. وهذا يقودنا إلى طبيعة العلاقة بين العمارة وعلم الرياضيات الذي يبتكر الأسس العلمية والنظريات، فالعمارة نتاج هذا العلم، لأنها أساسا ً تخضع لفن التأسيس الرياضي، والابتكار العلمي المبني على تصورات معرفية ــ علمية، وذوقية بنائية خضعت إلى المعرفة وعلم الجمال وطرائق النقد والتلقي. تلك المجالات التي اعتمدت على مرجعيات فلسفية جديدة، وعلى تقدم غير مسبوق في العلوم الأنثروبولوجية والسوسيولوجية، لذا خضعت العمارة في تاريخها إلى متغيرات مفهوميه، مجارات لمتغيرات علم الجمال والهندسة ونظريات بناء العمارة. لذا فالعمارة لدى "البرتي" وهو أحد معماري عصر النهضة المحصورة في الزخرفة والتزيين، في الوقت نفسه يحدد معالمها "لو كوربوزيه" بأنها الفضاء المحصور مشددا ً على كلمة فضاء. في حين يرى "بيتر أيزمان" على العمارة أن تتخلص من ثلاثة أوهام هي ــ التمثيل والتاريخ والمنطق ــ حتى يكون بمقدور منجزها أن يتساوق مع العصر، والسؤال: لماذا هذا التغيّر الحاصل في تصور مفهوم العمارة؟، الجواب: لأنها نتاج العلم والفن. وهذا ما جوّز معماريا ً النظر إلى تلك المتغيّرات التي واجهتها العمارة عبر العصور، لأنها بمثابة نص مرئي ـــ بصري، يخضع لمتطلبات تطور العصر، وتغيّر الزمان والمكان، وبالتالي تكون كل هذه المكوّنات ما يخلق الذائقة الجمالية، والحاجة التي تدفعها الوظائف الموكول أداؤها للعمارة التي تستجيب بشكل أو بآخر لمتطلبات الإنسان والوجود.

عمارة زها حديد


لعل ما ذكره أستاذها "كولهاس" من أنها كوكب يدور في مداره الخاص، فهذا يعني الكثير مما تتصف به المعمارية، على صعيدي تطور بنية العقل المتخصص والتطبيق الفعلي لرؤيتها لمثل هذا الفن الراقي الذي يتعلق ببنية المكان وتطوره وتكيّفه على وفق المتغيّر في الوجود. بمعنى أكثر بلاغة؛ إنها تمتلك الخاصية الديالكتيكية، التي من شأنها مواكبة مستجدات الحياة، منطلقة من حقيقة جدلية مفادها؛ لا ثبات في الوجود، إذا ً لا استقرار في الأشكال، إنها ــ أي الأشكال ــ تتكيّف وفقا ً للمغيّر والحاجة. هذا المنطلق هو الذي واكب "حديد" كما واكب غيرها من المعماريين الذين سبقوها والذين واكبوها أو الذين جاءوا من بعدها. إنها عملية متصلة، تأخذ وتعطي، أي لا تتوقف على محور أو مركز واحد. ولقد لخص الدكتور "خالد السلطاني" وجهة نظره في أعمالها، بما هو تأكيد على منهج معماري تتصف به عمارتها من خلال تأكيده على كونها "في جميع مشاريعها تتكئ في مقارباتها التصميمية على إستراتيجية التفكيك، تلك الإستراتيجية التي تدرك الفضاء المصمم و" غطاءه" معا ً كقيمة تصميمية مميّزة، تـُفضي إلى تشكيل هيئات معمارية غير عادية: تتلبسها حركة موّارة، تـُحيل خصوصيتها، الهيئات إلى محض كتل، تندمج فيها وظائف مفردات الأشياء فيما بينها، وتتلاشى خصوصيتها للمنشأ المصمم، مع الاهتمام بخصوصية المكان، ومن ثم ترجمة كل ذلك إلى رسومات تخطيطية تقود لاحقا ً إلى تشكيل نماذج تصميمية عديدة . ومن خلال الاشتغال على هذا الأسلوب، فأنها نجحت في دمج متطلبات برنامج "التوسعة" المتشعب نوعا ً ما، للخروج بهيئة معمارية نادرة، حافلة بحضور أسلوب "انسياب" الفضاءات بصورة معبرة وجريئة. وفي النتيجة فنحن أمام بلاغة متقنة لصياغة معمارية لامعة، ولنأخذ بالعبارة الأخيرة وهي البلاغة، وهي مفردة تتسع وتنفتح على آفاق واسعة في حقول الإنتاج الإبداعي وعلى كل أصعدة إنتاج الأجناس . ولعل العمارة أدقها، لأنها الحقل الذي يتعامل مع الكون والوجود العام، الذي يحتوي الكائنات. فبين الوجود ككينونة وبين الحيّز ــ المكان ــ الذي يشغله تتأكد ضرورة الوجود. فلا الإنسان باستطاعته التخلي عن المكان، ولا المكان يستغني عن وجود الإنسان. بمعنى لا توقف لجدلية وجود الاثنين. من هذا المنطلق نرى أن النظر إلى العمارة باعتبارها تمتلك وظيفة، وهذه الوظيفة لا يتم وجودها إلا بوعي الضرورة لوجودها، وإذا ما وعت ضرورتها أخذت بمبدأ التكيّف لوجود الإنسان، حيث تأخذ بنظر الاعتبار حركة الوجود. بمعنى عدم تموضعه، أي استقراره على حال. من هنا تنبثق البلاغة في العمارة، باعتبارها جنسا ً إبداعيا ً.
زها حديد تعمل على وفق رؤيتها أولا ً، وتأثرها بالتوجهات التي تتخاطر وتتجاوب مع استاتيك عقلها. بمعنى هي بمثابة مركز للجذب والطرد. ومن هذا كان ميلها لمدرسة التفكيك كثيرا ً. وهو منهج يتعامل مع المكوّنات من اعتبار اللا استقرار في الأشياء، لذا توجب الوقوف على الخصائص الذاتية للمكوّن، قصد معرفة الأسس. وبهذا يمكن للمبدع أن يُقصي ما لا يتناسب مع توجهه ورؤيته. فمدرسة التفكيك أو اللاانتظامية، أخذت به من باب الوقوف على المنهج الذاتي. صحيح أنها اطلعت على جهود من سبقوها في أوربا من المعماريين خلال ستينيات القرن الماضي والذين كانوا معنيين بالتبعثر والتكسر. وقد تأثر هؤلاء بالحرف العربي والصيني، وأخذوا منها التجريد الهندسي وبدءا ً من شكل الانحناء في الحرف ورشاقة القوس المتولد من الانحناء هذا. وهو فن فيه مجاز كثير، استفاد منه الفنان المعماري "فنكاندينسكي" لاسيّما اهتمامه بالخطوط مسايرا ً لما اكتشفه "كولهاس" من العلاقة بين الحرف العربي والصيني، خاصة في أعمال طلبة المعمار العرب والإيرانيين. من هذا كانت رؤية "زها" تتوسع نظرتها مستندة إلى ما هو كامن في الحرف هذا، مستفيدة من الفضاءات التي يخلقها، ومن التداعيات التي تدفع إلى الابتكار والتجدد. فجدلية الحرف الذي كان منارا ً للتشكيليين، غدا يمد نسغه إلى فن العمارة. وبهذا تم من خلال شكله إلغاء الخطوط المستقيمة التي تقود إلى المربعات والمكعبات في خلق المكان، في عدم تحديده بأفق ثابت وتقليدي لا يوحي للجماعة بالحركة بقدر ما يوحي بالتقولب والسكون والنمطية. إن مثل هذا التوجه في جعل المكان أكثر حركة، بل في حركة دائمة كما هو الحرف العربي والصيني على يد مجموعة من الخطاطين، غدا أكثر مرونة في تصميم شكل العمارة، مستفيدة من امتداداته وخلقه لفضاءات متواصلة في انسيابيتها واستمرارها، فضاءات متخيّلة في ذهن الإنسان الرائي الخارج، أو الرائي الداخل . فللعمارة على وفق هذا التصور دراميتها المتأتية من انسيابيتها، ومن إلغائها للزوايا والحدود والانكسارات.
إن إلغاء التوازي والتقابل في الخطوط والأشكال، بل الابتعاد كاملا ً عن الشكل التقليدي للعمارة أو تصميم المكان، يعني فتح الآفاق أمام ذهن الرائي، وبالتالي يعني هذا التجاوب مع الرؤى الجديدة للإنسان، والمتأتية من تعقيدات الحياة وتشابك الوجود، الأمر الذي يتطلب العمل على فتح الأفق بمثل هذه الانسيابية للمكان. بمعنى كان هذا استجابة جدلية من لدن ألعماري . فـ "زها حديد" بدراستها لعلم الرياضيات أثار في ذاتها مسألة مهمة تتعلق في اختصاصها أولا ً، وبمستقبل هذا الاختصاص ثانيا ً، ألا وهو اكتشاف العلاقة بين المنطق الرياضي والمعماري والفكر التجريدي. أي أنها حاولت منذ الشروع في خلق فرادة لنموذجها في الارتكاز على هذا المنطق المستخلص من تخصصها الرياضي الذي يفتح آفاقا واسعة للعقل. ولأن ميلها للتصميم والعمارة، كان التوظيف أكثر جدارة في إنتاج نموذجها في هذا الحقل . فهي القائلة بأن؛ علينا أن نغيّر أسلوبنا ليتناسب مع اللحظة التي نعيشها. كما وأنها في الكثير من تصريحاتها، أكدت على نقد الذات، بمعنى تقصّي ودراسة التجربة الشخصية من مبدأ نقد الذات، لخلق القيمة منها، ومن ثم يكون رصد القيمة الفنية هذه لخلق دافع لتجاوز التجربة من خلال خلق وابتكار حقول ومجالات أخرى تتصل بالتجربة، بقدر ما تخلق مجالاتها الحيوية الجديدة أيضا ً. وهذا يصب في مركز ما خلقه المعماريون المجددون ومنهم المعمارية "زها" في العالم. لذا نجدها تواكب مثل هذه التحولات في منهجها المعماري. ففكرة المرونة والتمدد بدأت في مشروع "متحف غوغنهايم" بتايوان، ثم تحولت إلى مرونة أكثر في نصب "ايلاستيكا" في ميامي وصولا ً إلى طاولة "فيتزا".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق